النظام المصرفي العراقي في مواجهة الاحداث الجيوسياسية: هل يستطيع النظام المصرفي الصمود أمام الاحداث الإقليمية؟

سلام عيدان الخيکاني

مقدمة

تُعد الأنظمة المصرفية في العالم من أكثر القطاعات تأثرًا بالتطورات السياسية والجيوسياسية، إذ إن الاستقرار المالي يرتبط بشكل وثيق بالاستقرار السياسي والاقتصادي. وفي منطقة الشرق الأوسط التي تشهد احداث متسارعة  وتوترات مستمرة، تبرز احتمالات استمرار الاحداث و التصعيد العسكري بين القوى الإقليمية والدولية كعامل رئيسي يهدد استقرار الأسواق المالية والاقتصادات العالمية.

ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة بالنسبة للعراق، نظرًا لموقعه الجغرافي الحساس في قلب المنطقة، وعلاقاته المتوازنة بين طرفي النزاع ،فضلًا عن طبيعة اقتصاده المعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول مدى قدرة المصارف العراقية على التعامل مع التحديات المالية التي قد تفرضها الأزمة الجيوسياسية الحالية، وما إذا كان النظام المصرفي يمتلك من الأدوات والمؤشرات ما يمكنه من امتصاص الصدمات الاقتصادية المحتملة في حال استمرار النزاع العسكري.

واقع القطاع المصرفي العراقي بالأرقام
شهد القطاع المصرفي العراقي خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في بعض المؤشرات المالية، رغم التحديات الاقتصادية والهيكلية التي يواجهها. فقد ارتفعت إجمالي أصول المصارف التجارية في العراق إلى نحو 156.7 مليار دولار بنهاية عام 2023 مدفوعة بزيادة الودائع المصرفية.

كما بلغت إجمالي الودائع المصرفية نحو 101.9 مليار دولار، حيث شكلت الودائع الجارية ما يقارب 80% من إجمالي الودائع في النظام المصرفي، وهو ما يعكس اعتماد المصارف بدرجة كبيرة على السيولة قصيرة الأجل.

وفي عام 2024، أظهرت بيانات البنك المركزي العراقي أن إجمالي الودائع في المصارف بلغ نحو 127.6 تريليون دينار عراقي (نحو 97 مليار دولار) مع استمرار نمو الائتمان المصرفي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية نسبيًا، فإن النظام المصرفي العراقي يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بأداء الاقتصاد النفطي والإنفاق الحكومي، الأمر الذي يجعله أكثر حساسية للصدمات الخارجية.

العمليات العسكرية الحالية وتأثيرها في النظام المصرفي
تؤثر الحروب والصراعات الإقليمية في الأنظمة المصرفية عبر عدة قنوات اقتصادية ومالية، ويُعد العراق من الدول التي قد تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر في حال اتساع نطاق هذا الصراع في المنطقة.

1.استمرار غلق مضيق هرمز
يمثل النفط المصدر الرئيس للإيرادات العامة في العراق، ولذلك فإن الاضطرابات الحالية في الأسواق العالمية للطاقة، نتيجة الحرب التي ادت الى اغلاق مضيق هرمزأادت الى تقلبات حادة في أسعار النفط.

و عدم قدرة العراق على استئناف صادراته النفطية لفترة طويلة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات الحكومية، الأمر الذي ينعكس بدوره على مستويات الإنفاق العام والسيولة في الاقتصاد، وهو ما يؤثر بشكل مباشر في حجم الودائع المصرفية والنشاط الائتماني.

2.الضغوط على سعر الصرف
الأزمات الجيوسياسية عادة ما تدفع المستثمرين والأفراد إلى البحث عن الأصول الآمنة، وهذا مانراه حاليا في دولة الامارات العربية من محاولة هروب رؤوس الاموال منها . وفي الاقتصادات الناشئة قد يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، وخاصة الدولار.

وفي العراق، قد يؤدي ارتفاع الطلب على الدولار إلى ضغوط على سعر صرف الدينار، ما يفرض تحديات إضافية أمام المصارف في إدارة السيولة الأجنبية وتمويل التجارة الخارجية.

3.القيود على التحويلات المالية الدولية
يعتمد النظام المصرفي العراقي بشكل كبير على شبكة البنوك المراسلة الدولية لإجراء التحويلات التجارية والمالية. وفي حال تصاعد النزاع الحالي أو فرض عقوبات مالية على بعض الأطراف في المنطقة او حتى في العراق، قد تواجه المصارف العراقية تشديدًا في الإجراءات الرقابية المتعلقة بالتحويلات الدولية، مما قد يؤدي إلى إبطاء حركة التجارة الخارجية وزيادة تكاليف المعاملات المالية.

مخاطر السيولة وثقة المودعين
تشكل الثقة عنصرًا أساسيًا في استقرار النظام المصرفي. ففي أوقات الأزمات السياسية أو العسكرية قد يميل الأفراد والشركات إلى سحب ودائعهم أو تحويلها إلى عملات أجنبية أو أصول أكثر أمانًا مثل الذهب.

وتشير بعض البيانات إلى أن الودائع المصرفية في العراق شهدت تراجعًا بنحو 9% خلال عام 2024، أي ما يعادل نحو 10 تريليونات دينار عراقي (نحو 7.6 مليارات دولار)، وهو ما يعكس حساسية القطاع المصرفي تجاه الاحداث الجارية في المنطقة، في جال استمرار الاحداث الحالية. فقد تتزايد الضغوط على السيولة المصرفية، مما يستدعي تدخل البنك المركزي لضمان استقرار النظام المالي.

دور البنك المركزي في حماية الاستقرار المالي
يلعب البنك المركزي العراقي دورًا محوريًا في الحفاظ على استقرار النظام المصرفي، من خلال إدارة السياسة النقدية وتنظيم السيولة في السوق. وقد عمل البنك خلال السنوات الأخيرة على تعزيز احتياطياته من الأصول الصلبة، بما في ذلك الذهب، حيث ارتفعت احتياطيات الذهب بنحو 57% خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار النقدي والمالي. كما يسعى البنك المركزي إلى تطوير النظام المصرفي من خلال التحول الرقمي وتوسيع الشمول المالي، إضافة إلى تشديد الرقابة على العمليات المالية بما يتوافق مع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

التحديات الهيكلية للقطاع المصرفي
رغم التطورات التي شهدها القطاع المصرفي العراقي، إلا أنه ما زال يواجه مجموعة من التحديات الهيكلية التي قد تزيد من حساسيته تجاه الاحداث الاخيرة، ومن أبرزها:

الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على النفط.
هيمنة المصارف الحكومية على النشاط المصرفي.
ضعف الشمول المالي مقارنة بالمعايير الدولية.
محدودية استخدام الأدوات المالية الحديثة في إدارة المخاطر.
خاتمة
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يصبح تعزيز متانة النظام المصرفي العراقي ضرورة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. ورغم أن المؤشرات المالية تظهر نموًا في حجم الأصول والودائع المصرفية خلال السنوات الأخيرة، فإن القطاع المصرفي يظل معرضًا لتأثيرات الصدمات الخارجية، خصوصًا تلك المرتبطة بتقلب أسعار النفط أو التوترات الإقليمية.

ومن هنا فإن بناء نظام مصرفي أكثر مرونة يتطلب الاستمرار في إصلاح القطاع المالي، وتعزيز إدارة المخاطر، وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد المفرط على النفط، بما يضمن قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية بثبات واستقرار.

مرکز دراسات الشهيد الخامس

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here